16 يناير، 2017

مكتبة الحاجة

كانت المحلات مغلقة والشوارع مقفرة والجو قارس عندما دلفت إلی تلك المكتبة، التي لا يبين منها سوی ماكينة تصوير أوراق تفي بالغرض، وامرأتان كهلتان جالستان علی كرسيين مهترئين خلف واجهة زجاجية تضم أرففها كراريس وأقلام  رصاص وجاف وعلب بسكويت يعلو جميعها الغبار. مددت يدي لأقربهن إلي بأوراق أريد منها نُسخا، أخذتها بيدٍ مرتعشة وناولتها لزميلتها التي انثنت ببطء علی درج للماكينة تفتحه كي تُرقد فيه رزمة من الأوراق البيضاء. دخل رجل طويل القامة، مُمسكا ببطاقة تحقيق شخصيته يريد نسخها هو الآخر ومن سحنته بدا أنه نافد الصبر علی وشك أن يخانق ذباب وجهه. غير أن المرأة المنكفئة علی الماكينة لم تكن قد انتهت بعد من نسخ أوراقي؛ إذ علقت ورقة، فحاولت إخراجها وهي تئن من نخزات ظهرها. استغرق إخراج الورقة وقتا يئس معه الرجل فانصرف مُزفِرا بحرارة. بعد جهد لم تضن به المرأتان عادت الماكينة للعمل. أخذت الأسئلة تطفر في ذهني بشأن المرأتين علی أزيز الماكينة المنتظم وهي تنسخ أوراقي نُسخا باهتة، لم أشأ سؤالهما برّا بهما. وأدت فضولي. أخذت أوراقي ونفحتهما نذرا من الجنيهات.. وفارقتهما

12 يناير، 2017

لماذا أنا ناقد؟

أمي تقول لي دائما : «أنت لا يعجبك العجب ولا الصيام في رجب». ذلك لأنني أعترض علی كثير من الأمور من حولي٬ وأنقدها٬ خصوصا ما يتعلق بأحوال الناس والمجتمع والعادات والتقاليد. لا أجد ضيرا في أن أكون ناقدا٬ وأن أغذي هذا الميل تجاه النفاذ إلی بواطن الأمور. مثلي في ذلك مثل من يقف أمام لوحة يريد أن يعرف ما توحي إليه. إن النقد أساسٌ من أسس التقدم والنهوض. خذ الإنسان الحجري علی سبيل المثال٬ كان يستخدم أدوات بدائية الصنع من الحجارة٬ وفي لحظة ما اكتشف أنه يجب الثورة علی تلك الأدوات٬ واستبدالها بأدوات مصنوعة من مواد أكثر كفاءة مثل المعادن. تلك الانبثاقة كانت سببا في نشوء الحضارات. حتی الأنبياء والرسل وهم يبشرون بدينهم كانوا من أهم النقاد في التاريخ٬ ومن أدلة ذلك أن الله أمرهم بدعوة الناس بالحسنة؛ ذلك لأن وقع النقد في النفوس أليم٬ ويحتاج إلی حسن خلق لكظم الغيظ. تأمل مقالة نبينا إبراهيم - عليه السلام - كما جاءت في القرآن الكريم : «ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» لقد أسست تلك الآية لمبادئ النقد كما يجب - وقبل - أن تكون٬ خصوصا وأن جوهر النقد هو شجاعة الجهر بها للقريب قبل البعيد. لقد أصبح لي مزاجٌ أعرف نفسي - ويعرفني الناس - به: ما هو الفيلم الذي أريد أن أشاهده٬ وما هو الكتاب الذي أريد أن أقرأه٬ وما هو رأيي في خطاب الرئيس البارحة٬ وما هي مآلات تعسف النظام وقمعه للحريات. وحتی كل من حولي يعرفون ما يروق لي وما لا يروق قبل أن يعرضوه عليّ. أنقد٬ كي أری الوجود جميلا حتی وإن كان في نفسي قبحٌ.

9 يناير، 2017

الراهبة


ما الذي يجعل العوام يعرفون لوحة الموناليزا بينما نخبتنا المثقفة لا تعرف لوحة الراهبة للرسام المصري أحمد صبري؟
لوحة الراهبة فازت بالميدالية الذهبية في باريس عام 1929.
إنها لوحة رفض أن يبيعها لمتحف اللوفر مفضلا أن تباع في مصر نظير مبلغ زهيد هو 100 جنيه. لكن وبالرغم من حرص الرسام أن تبقی في مصر٬ إلا أنها وجدت طريقا إلی متحف بنيويورك.
أحمد صبري هو رائد البورتريه في مصر. ولد في القاهرة عام 1889 وتوفي عام 1955. ولوحته الراهبة عن امرأة في منتصف العقد الثالث ترتدي لباس الرهبنة بكل ما يمثله من جلال في نفس الرائي٬ وفي ذات الوقت يخفي قواما يشير إليه بنية  صاحبته٬ قوام يريد أن يعلن عن نفسه لكن الوازع الديني المتمكن يحول بين ذلك.
الراهبة تعتمد بكلتا يديها الكتاب المقدس فهو العاصم من الذلل٬ أما عيناها فيبرقان ببريق هو مزيج من الإصرار علی مواصلة طريق المسيح وتزمّت يقف صخرة ضد كل المُغريات.
لم تذكر المصادر شيئا عن صاحبة اللوحة٬ هل هي حقيقية أم من صنع خيال المؤلف؟ وإن كانت حقيقية فما هي علاقتها بالرسام وأين ومتی  تعرف عليها؟ أم هل مخيلة الرسام قادرة علی أن توحي له بشخصية من العدم ليرسمها؟ كلها أسئلة تحتاج إجابات لنكتشف أبعادا أخری عن اللوحة٬ علی بال ما تأتي من الخارج هذا إذا كانت دولتنا التي تعشق القبح قد سمعت بها ووطّنت العزم علی استعادتها.